كتاب "المحاضرة الأخيرة": درس الحياة الأخير من راند بول | بودكاست ساندوتش ورقي
المحاضرة الأخيرة.. ماذا ستقول للعالم إذا كانت هذه آخر محاضرة في حياتك؟
هل فكرت يومًا فيما ستقوله إذا عرفت أن أمامك وقتًا محدودًا، وأن الكلمات التي ستقولها اليوم ربما تكون من آخر الرسائل التي تتركها لعائلتك وأصدقائك والعالم؟ ما الأشياء التي ستتوقف عن القلق بشأنها؟ وما الأحلام التي ستتمنى لو أنك سعيت لتحقيقها مبكرًا؟ ومن الأشخاص الذين ستدرك فجأة أنهم كانوا أهم بكثير من كل الأشياء التي استهلكت وقتك؟
هذه الأسئلة ليست مجرد فكرة فلسفية، بل تقف وراء واحدة من أشهر المحاضرات والكتب الملهمة في العصر الحديث، وهي The Last Lecture – المحاضرة الأخيرة للأستاذ الجامعي الأمريكي راندي باوش، والتي تحولت من محاضرة أمام مجموعة من الطلاب والزملاء إلى رسالة وصلت إلى ملايين الأشخاص حول العالم.
كان راندي باوش أستاذًا لعلوم الحاسوب في جامعة كارنيغي ميلون بالولايات المتحدة، ومتخصصًا في مجالات مثل الواقع الافتراضي والتفاعل بين الإنسان والحاسوب. كان لديه عمل يحبه، وزوجة وثلاثة أطفال، وحياة مليئة بالمشروعات والأفكار. لكن حياته تغيرت بصورة جذرية عندما تم تشخيص إصابته بسرطان البنكرياس.
بعد فترة من العلاج، علم باوش أن المرض قد تقدم وأن الوقت المتبقي أمامه أصبح محدودًا.
في تلك الظروف، تلقى دعوة للمشاركة في سلسلة محاضرات بالجامعة تقوم فكرتها على سؤال افتراضي: إذا كانت أمامك فرصة لتقديم محاضرة أخيرة قبل أن تموت، فما الذي ستقوله؟
بالنسبة إلى معظم المشاركين كان السؤال افتراضيًا.
أما بالنسبة إلى راندي باوش، فلم يكن كذلك.
في 18 سبتمبر 2007، وقف أمام الحضور في جامعة كارنيغي ميلون ليقدم محاضرته التي حملت عنوانًا قريبًا من معنى «تحقيق أحلام طفولتك حقًا». وعلى الرغم من معرفته بمرضه، لم تكن المحاضرة قائمة على الحزن أو الحديث الطويل عن الموت.
على العكس تمامًا.
تحدث عن الحياة.
تحدث عن الأحلام التي امتلكها عندما كان طفلًا، وعن الأحلام التي استطاع تحقيقها، والأشياء التي لم تتحقق، والأشخاص الذين ساعدوه، والأخطاء التي ارتكبها، والدروس التي تعلمها خلال رحلته.
كانت رسالته الأساسية بسيطة وقوية: الحياة ليست فقط ما يحدث لنا، وإنما أيضًا الطريقة التي نختار بها التعامل مع ما يحدث.
وبعد انتشار المحاضرة بصورة واسعة، تعاون باوش مع الصحفي والكاتب جيفري زاسلو لتحويل الأفكار والقصص الموجودة فيها إلى كتاب The Last Lecture، الذي صدر عام 2008 وأصبح من الكتب الأكثر شهرة في مجال السير الملهمة ودروس الحياة.
لكن قوة القصة لا تأتي فقط من حقيقة أن صاحبها كان يعلم أنه سيموت.
قوتها الحقيقية تأتي من أنه استخدم الوقت المتبقي للحديث عن كيف نعيش.
دروس المحاضرة الأخيرة.. الأحلام والعقبات وطريقة التعامل مع الحياة
من الأفكار الرئيسية التي تناولها راندي باوش أهمية أحلام الطفولة. فبدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد أمنيات ساذجة، استخدمها ليشرح كيف يمكن للأحلام أن تمنح الإنسان اتجاهًا في الحياة.
كانت لديه في طفولته مجموعة من الأحلام الغريبة والطموحة؛ أراد تجربة انعدام الجاذبية، وأراد العمل مع شركة ديزني في مجال تخيل وتصميم التجارب، وكانت لديه تطلعات أخرى لم يكن من السهل تحقيقها.
بعض هذه الأحلام تحقق بالفعل، وبعضها لم يتحقق بالطريقة التي تخيلها.
لكن الدرس لم يكن أن كل إنسان يستطيع تحقيق أي شيء يريده بمجرد أن يؤمن بنفسه. الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك. الدرس كان في قيمة المحاولة وما نتعلمه أثناء السعي وراء الأشياء التي تهمنا.
ومن أشهر الصور التي استخدمها باوش فكرة الجدران والعقبات.
فعندما نجد جدارًا بيننا وبين ما نريد، قد نعتقد أن وجوده يعني أن علينا التوقف. لكنه رأى أن العقبات موجودة أحيانًا لتكشف مدى رغبتنا الحقيقية في الوصول إلى الهدف.
فإذا كان الحلم مهمًا، نبحث عن طريق آخر. نتعلم مهارة جديدة، نعيد المحاولة، نغير خطتنا أو ننتظر فرصة أفضل.
لكن هذا لا يعني الاصطدام بالجدار نفسه إلى الأبد. المثابرة لا تعني تكرار الطريقة الفاشلة دون تفكير، وإنما الحفاظ على الهدف مع الاستعداد لتغيير الأسلوب.
وهذه الفكرة يمكن تطبيقها على الدراسة والعمل والعلاقات وتعلم المهارات.
قد يرفضك صاحب عمل، أو لا تحصل على الدرجة التي كنت تنتظرها، أو يفشل مشروع بدأت فيه، أو تكتشف أن الطريق الذي اخترته أصعب بكثير مما توقعت.
في هذه اللحظة يصبح السؤال: هل هذه نهاية الطريق أم مجرد عقبة تحتاج إلى طريقة مختلفة؟
ويتحدث باوش أيضًا عن أهمية الاستماع إلى النقد والملاحظات التي يقدمها الآخرون.
فعندما يتوقف الناس تمامًا عن إخبارك بأخطائك، قد لا يكون ذلك علامة جيدة. أحيانًا يعني أنهم توقفوا عن الاعتقاد بأنك تريد التحسن.
الشخص الذي يخبرك بأن عملك يحتاج إلى تطوير قد يقدم لك شيئًا أكثر قيمة من الشخص الذي يمدحك باستمرار.
وهنا يظهر درس مهم: لا تبحث فقط عن الأشخاص الذين يجعلونك تشعر بالراحة، بل ابحث أيضًا عن الأشخاص الذين يساعدونك على أن تصبح أفضل.
كما أعطى باوش أهمية كبيرة للامتنان.
فالإنجازات التي نحققها نادرًا ما تكون نتيجة جهودنا وحدنا. وراء كثير من النجاحات معلم أعطى نصيحة، أو والدان قدما الدعم، أو صديق فتح بابًا، أو مدير منح فرصة، أو شخص قال كلمة في الوقت المناسب.
الإنسان يميل إلى النظر إلى النتيجة النهائية ونسيان الأشخاص الذين ساعدوه أثناء الطريق.
ولهذا فإن الاعتراف بفضل الآخرين ليس مجرد سلوك اجتماعي جميل، بل طريقة أكثر واقعية لفهم قصتنا الشخصية.
وتناول أيضًا فكرة إدارة الوقت باعتباره أحد أكثر الأشياء قيمة في حياتنا. المال الذي نخسره قد نستطيع تعويضه، لكن الساعة التي تمر لا يمكن استعادتها.
ومع ذلك، نتعامل أحيانًا مع الوقت وكأنه مورد غير محدود.
نؤجل زيارة شخص نحبه. نؤجل البدء في مشروع. نؤجل تعلم مهارة. نؤجل الاعتذار. ونقول لأنفسنا: سأفعل ذلك لاحقًا.
لكن ماذا لو لم يكن "لاحقًا" مضمونًا؟
هذه الفكرة كانت مختلفة تمامًا بالنسبة إلى باوش؛ لأنه لم يكن يناقش الموت كمفهوم بعيد. كان يعرف أن الوقت المتاح له مع زوجته وأطفاله محدود بالفعل.
لماذا أصبحت المحاضرة الأخيرة رسالة عن الحياة وليست عن الموت؟
من السهل أن نتوقع أن كتابًا كتبه رجل مصاب بمرض في مراحله المتقدمة سيكون مليئًا بالحزن، لكن المحاضرة الأخيرة تتجه في مسار مختلف.
باوش لم يكن يحاول تعليم الناس كيف يموتون، وإنما كان يحاول مشاركة الأشياء التي تعلمها عن كيفية العيش.
وهذا ما جعل رسالته تصل إلى جمهور واسع.
فمعظمنا يعيش كما لو أن أمامه وقتًا غير محدود. نعرف نظريًا أن الحياة قصيرة، لكننا نتصرف في تفاصيلها اليومية وكأن لدينا دائمًا فرصة أخرى.
هناك دائمًا يوم آخر لإجراء المكالمة.
شهر آخر للبدء.
سنة أخرى لتحقيق الحلم.
ثم تمر السنوات أسرع مما توقعنا.
فكرة "المحاضرة الأخيرة" تجبرنا على النظر إلى أولوياتنا بطريقة مختلفة. إذا كان لديك وقت محدود، هل ستقضي الساعات نفسها في القلق بشأن آراء أشخاص لا تعرفهم؟ هل ستؤجل الشيء الذي تحلم به منذ سنوات؟ هل ستستمر في خلاف بسيط مع شخص تحبه؟
ربما لا.
لكن هذا لا يعني أن علينا العيش في خوف دائم من الموت. الرسالة الأقرب هي أن إدراك محدودية الوقت يمكن أن يجعلنا أكثر وعيًا بطريقة استخدامه.
ومن أجمل جوانب قصة باوش أن المحاضرة كانت موجهة في مستوى عميق إلى أطفاله أيضًا.
كان أطفاله صغارًا، وكان يعرف أنه على الأرجح لن يكون موجودًا معهم في مراحل كثيرة من حياتهم. لذلك أصبحت الكلمات والقصص التي تركها وسيلة لنقل جزء من شخصيته وأفكاره إليهم عندما يكبرون.
وهذا يجعل السؤال في بداية القصة أكثر تأثيرًا:
إذا كان عليك ترك مجموعة محدودة من الدروس للأشخاص الذين تحبهم، فماذا ستختار؟
ربما لن تتحدث عن عدد ساعات عملك، أو الأشياء التي اشتريتها، أو عدد المتابعين الذين حصلت عليهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
ربما ستتحدث عن الأشخاص.
عن الصداقة، والعائلة، والأحلام، والفرص، والأخطاء، والضحك، والأوقات التي حاولت فيها وفشلت ثم حاولت مرة أخرى.
وهذا لا يعني أن الطموح والعمل والنجاح المادي غير مهمة. راندي باوش نفسه كان شخصًا طموحًا وناجحًا أكاديميًا ومهنيًا. لكن النجاح بالنسبة إليه لم يكن منفصلًا عن العلاقات والامتنان والاستمتاع بالرحلة.
كما أن قصة المحاضرة تذكرنا بأن بعض الأشياء التي نعتقد أنها فشل قد تصبح جزءًا من الطريق إلى شيء أفضل.
قد لا تحصل على الفرصة التي كنت تريدها، لكن ما تعلمته أثناء محاولة الحصول عليها قد يفتح لك بابًا آخر. وقد تكتشف بعد سنوات أن أحد أصعب المواقف التي مررت بها كان أيضًا واحدًا من أكثر المواقف التي علمتك عن نفسك.
توفي راندي باوش في 25 يوليو 2008 عن عمر 47 عامًا، بعد أقل من عام من تقديم المحاضرة التي جعلت قصته معروفة عالميًا.
لكنه ترك وراءه شيئًا ربما لم يكن يتوقع حجمه عندما وقف أمام الجمهور في ذلك اليوم.
ترك سؤالًا يستطيع أي شخص أن يطرحه على نفسه، سواء كان عمره 20 عامًا أو 60 عامًا:
إذا كنت سأقدم محاضرتي الأخيرة اليوم، فهل ستكون حياتي الحالية متوافقة مع الأشياء التي سأقول إنها الأكثر أهمية؟
إذا كانت الإجابة لا، فربما لا نحتاج إلى انتظار "المحاضرة الأخيرة" حتى نبدأ في تغيير بعض الأشياء.
يمكن إجراء المكالمة اليوم، ويمكن قول كلمة الشكر اليوم، ويمكن البدء في تعلم المهارة اليوم، ويمكن تخصيص وقت أكبر للعائلة اليوم، ويمكن اتخاذ الخطوة الأولى نحو حلم تم تأجيله لسنوات.
فنحن لا نستطيع معرفة مقدار الوقت الذي نملكه، لكننا نستطيع أن نقرر بدرجة أكبر ماذا نفعل بالوقت الموجود أمامنا الآن.